محمد بيومي مهران
158
دراسات تاريخية من القرآن الكريم
غيرها تراه معهما في البيت ، وتحريف اليهود لكتابهم أشهر من نار على علم « 1 » . وهكذا يبدو بوضوح ما ذهبنا إليه ، وهو أن الأمر لم يكن مزاح صبي ، وإنما كان غيرة امرأة من ابن ضرتها ، وخوفا منها على مكانتها عند زوجها ، ورغبتها في أن لا ينصرف حبّ هذا الزوج إلى غيرها من النساء ، وفي أن لا ينال ابن ضرتها - وهو بكر أبيه « 2 » - شيئا من ميراث أبيه ، ذلك لأن حب المرأة لأبنائها أمر معلوم ، ومن هنا بدأت تفكر في إزاحة إسماعيل وأمه من مكانتهما ، فكان التبرير من كاتب التوراة أن إسماعيل كان يمزح في وليمة فطام إسحاق - كما أشرنا آنفا - وانطلاقا من هذا فقد استجاب إسماعيل وأمه لإبراهيم فيما ارتآه من أن يجنبهما النزاع الذي قد يتفاقم بين الزوجتين ، والغيرة التي قد تقتل سارة ، وتزعج أمن إبراهيم واستقراره . وأيا ما كان الأمر ، فإن القرآن الكريم لم يشر إلى سبب هذا الحادث ، وانما يروي البخاري عن ابن عباس أن هاجر سألت إبراهيم حين وضعها وابنها هناك في مكة عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد ، ثم قفى منطلقا ، « أأللّه أمرك بهذا ؟ فقال نعم : قالت : إذا لا يضيعنا » « 3 » .
--> ( 1 ) عبد الوهاب النجار : المرجع السابق ص 104 ( 2 ) أنظر عن البكورية وأهميتها عند بني إسرائيل : مقالنا « قصة أرض الميعاد بين الحقيقة والأسطورة » وكذا : صبري جرجس : التراث اليهودي الصهيوني ص 67 ، تكوين 25 : 27 - 33 ، كتابنا إسرائيل ص 75 ( 3 ) ابن كثير 1 / 154 ، تفسير القرطبي 9 / 369 ، تفسير الطبري 13 / 229 - 230 ( طبعة 1954 ) ، تفسير الألوسي 13 / 236 ، المقدسي 3 / 60 ، الأزرقي 1 / 54 ، 2 / 39 ، تاريخ ابن خلدون 2 / 36 ، تاريخ الخميس ص 106 ، ابن الأثير 1 / 103 ، شفاء الغرام 2 / 3 ، تاريخ اليعقوبي 1 / 25 .